المقالات

بين رجل الدولة وموظف الدولة

بقلم: مسلم بن أحمد العوائد

رجال الدولة هم المعادن النفيسة التي تحافظ على قيمتها في كل زمان ومكان؛ لا تتغير بالمناصب أو المال، ولا تضعف بالفقر أو المرض أو الانتماءات المذهبية والمناطقية. وهذا الثبات لا يتحقق إلا إذا فقهوا مبادئ الدين الإسلامي العظيم، الذي يعد منهج حياة شاملًا لمختلف المجالات الإدارية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها.
قال الرسول القائد ﷺ: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
فرجل الدولة هو أعظم ثروة تمتلكها الأمم والدول، فبه – بعد توفيق الله – تزدهر الحضارات وتتحقق الاستراتيجيات الوطنية. وبإقصائه، أيها السادة الكرام، تنهار الدول، والشواهد حية تُقرأ وتُسمع وتُرى.

هذا قبل…
اما بعد…
أهم ما يميز رجل الدولة أنه يدرك واقع دولته وأهدافها الإستراتيجية الكبرى، فلا يخرج عن مساراتها المعلنة، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو أمنية أو غيرها، ويعمل على كسب عقول وقلوب الناس، فيفتح لهم الأبواب المغلقة، يستمع إليهم بعناية، ويسعى لحل مشكلاتهم قدر المستطاع، ويرفع ما يعجز عن حله إلى الجهات المختصة.
رجل الدولة يُقدِر خصوصية مكونات المجتمع؛ الجغرافية والثقافية والعقدية، فلا يفرّط مثلا في التنوع الأحيائي، ولا في مناطق ومراعي بلاده الطبيعية، ولا في سواحلها أو عيونها المائية أو قممها او اعرافها، فهذه الثروات أثمن من اموال السياحة. إذا فُقدت الخصوصية، فُقدت الهوية.
رجل الدولة لا يستفز المجتمع في تصريحاته وقراراته، بل يعمل بوضوح كوضوح الشمس، دون تقية أو خداع أو كذب. يتعامل مع الجميع بروح المواطنة والوطنية، بعيدًا عن الطائفية والمناطقية و الفساد الإداري والمالي. ينصح بصدق، دون تجريح أو تشهير، وإذا لزم الأمر، يرحل بكرامة، حتى لا يكتب التاريخ أنه كان شاهد زور.

أخيرًا…

أهم ما يميز موظف الدولة أنه يجعل تحقيق مصالحه ومصلحة فئته هدفه الأسمى، أينما وكيفما وُجدت. يستغل سلطته لإقصاء رجل الدولة، فهو ألدّ أعدائه، كما قال النبي ﷺ: (وما تناكر منها اختلف).
موظف الدولة يحبس نفسه خلف أبواب السلطة بعيدًا عن الناس، ويستغل نفوذه لنصرة فئته، متغاضيًا عن تجاوزاتهم القانونية، مانحًا إياهم حق الفيتو، بينما يكيل التهم للآخرين، ويضيّق عليهم بمصطلحات وادعاءات وتصنيفات لا سند لها من القوانين التي أقسم بالله العظيم على تنفيذها بأمانة. هؤلاء الفئة لم يبنوا يوما دولة أو حضارة، وكم من دول سقطت بسبب تمكين موظفي الدولة وإقصاء رجالها؟ والتاريخ شاهد على ذلك.

ختامًا…
رجل الدولة لا يظلم، ولا يولي على الناس ظالما أو جاهلا أو ضعيف الكفاءة أو قصير اليد، بل يختار الرجال الأوفياء الأقوياء، الذين ترتكز عقيدتهم على لزوم الجماعة، والبناء، والتعايش، والتسامح.

وهنا سؤال إلى أهل الحل والعقد:
هل من يحمل بين جنبيه عقيدة الخروج على الوطن وولاة الأمر، ويرددها جهارا ليلا ونهارا على كل المنابر، يعد رجل دولة أم موظف دولة؟ وهل تمكينه خطر على الدولة؟.
وما الحل؟:
يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لأن أعزل واليًا كل يوم أهون عليّ من أن أُبقي ظالمًا ساعة من نهار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى