قراءة لبعض نصوص قانون الجنسية العماني رقم 17/2025
بقلم الدكتور بدر المسكري
كلية الحقوق” جامعة السلطان قابوس ”
يتناول المقال المقارنة بين بعض نصوص قانون الجنسية العماني الحالي رقم 17 / 2025 وقانون الجنسية السابق رقم 38/2014، وبالتحديد نص المادة 15 من القانون الحالي ونص المادة 11 من القانون السابق. حيث تنص المادة 15 من قانون الجنسية الحالي على أنه “مع عدم الإخلال بحكمي المادة (11) و (12) من هذا القانون، يعد عمانيًا: 1- كل من يمنح الجنسية العمانية وفقًا لأحكام هذا القانون. 2- من يولد في سلطنة عمان أو خارجها من أم عمانية، ولم يثبت نسبه شرعًا لأب. 3- من يولد في سلطنة عمان من أبوين مجهولين“. بينما جاء نص المادة 11 من القانون السابق على أنه “يعتبر عمانياً بصفة أصلية: 1-من ولد في عمان أو خارجها من أب عماني. 2- من ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية وكان أبوه عمانيا، وأصبح بلا جنسية. 3- من ولد في عمان أو خارجها من أم أجنبية، وكان أبوه عمانيا بصفة أصلية، وأصبح بلا جنسية، شريطة أن يكون زواج أبويه قد تم بالموافقة المسبقة من الوزارة. 4- من ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية، ولم يثبت نسبه شرعا لأب. 5- من ولد في عمان من أبوين مجهولين“.
وتجدر الإشارة قبل المقارنة بين البندين 2، 3 من المادة 15 من القانون الحالي، والبندين 4، 5 من المادة 11 من القانون الملغي إلى أن المشرع في قانون الجنسية الحالي قد اعتبر عمانيًا أصليًا وفقًا للبند 3 من المادة 12 “من يولد في سلطنة عمان أو خارجها، سواء من أم عمانية أو أجنبية، إذا كان أبوه عمانيا بصفة أصلية، وأصبح بلا جنسية” مع الغاء القانون الحالي لشرط أن يكون الزواج قد تم بالموافقة المسبقة من الوزارة، وهو أمر محمودً ويتفق مع التوجه التشريعي الأخير بإلغاء شرط الموافقة المسبقة فيما يتعلق بتنظيم زواج العمانيين من أجانب. ولكن على الرغم من ذلك يبقى ما اشترطه في البند 3 من المادة 12 من القانون الحالي من حصول المولود من أم عمانية أو أجنبية على الجنسية العمانية الأصلية ضرورة أن يكون أبوه عمانيًا بصفة أصلية وأصبح بلا جنسية يحتاج لإعادة نظر.
ففي الحقيقة هذا البند مقابلاُ للبند 3 من المادة 11 من القانون الملغي، مع عدم معالجة المشرع ما يقابل البند 2 من المادة 11 من القانون الملغي، وهي حالة إذا ما كان الأب الذي أصبح بلا جنسية عمانيًا بالتجنس، فالقانون الحالي، مقارنةبالقانون الملغي، أخرجها من حالات الجنسية العمانية الأصلية.
وبالعودة للمقارنة بين البندين 2، 3 من المادة 15 من القانون الحالي والبندين 4، 5 من المادة 11 من القانون الملغي، فيمكن إبداء الملاحظات الآتية:
أولاً- أن المشرع العماني في قوانين الجنسية المتعاقبة، مقارنة بقوانين دول كثيرة، كالقانون القطري قد تبنى موقفًا محمودًا في مواجهة حالات انعدام الجنسية في كل حالة تكون فيها سلطنة عمان حاضرة، سواء بواقعة الميلاد على أراضي الدولة، أو لأن الأمر يرتبط بعماني أو عمانية. وتجدر الإشارة هنا للحالتين محل البحث، الأولى من ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية ولم يثبت نسبه شرعا لأب، والثانية: من ولد في عمان من أبوين مجهولين.
ثانيًا- اعتبر القانون الحالي، على خلاف القانون الملغي، أن من ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية ولم يثبت نسبه شرعًا لأب، ومن ولد في عمان من أبوين مجهولين، ليس عمانيًا بصفة أصلية، بل يعد صاحب جنسية عمانية مكتسبة، وهذا واضحًا من إيراد هاتين الحالتين تحت حالات منح الجنسية في القانون الحالي. ومن المعلوم أن الجنسية المكتسبة لا تكون إلا في تاريخ لاحق على الميلاد.
ثالثًا- يعد استخدام المشرع العماني في قانون الجنسية الحالي لمعياري الجنسية الأصلية (حق الدم وحق الإقليم) لمنح الجنسية المكتسبة أمرًا غاية في الغرابة، فالمستقر عليه قانونيًا أن إعطاء الجنسية استنادًا لحق الدم من ناحية الأب أو الام الوطنية، وحق الإقليم استنادًا لواقعة الميلاد على أراضي الدولة لا يكون إلا للجنسية الأصلية ولا يكون ذلك مطلقاً للجنسية المكتسبة، باعتبار أن الجنسية الأصلية ترتبط بواقعة الميلاد على عكس الجنسية المكتسبة فتمنح في تاريخ لاحق للميلاد. فالحالة الأولى والمتمثلة فيمن ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية ولم يثبت نسبه شرعا لأب أعطى فيها قانون الجنسية الحالي الجنسية المكتسبة استنادًا لحق الدم من ناحية الأم، والحالة الثانية منحت من وُلد في عمان من أبوين مجهولينجنسية مكتسبة استنادًا لحق الإقليم.
رابعًا- لقد استقر الرأي القانوني أن الجنسية الأصلية التي تعطى للمولود في الحالتين المشار إليهما إنما هي جنسية عمانية غير مستقرة، إذ يظل المولود حاملاً للجنسية الاصلية، إلا إذا أمكن نسبته لأبيه، وفي هذه الحالة إما أن يكون الأب عمانيًا فتثبت له الجنسية العمانية الأصلية نهائيًا وإما أن يكون الأب أجنبيًا فيلحق بجنسية أبيه وتزول عنه الجنسية العمانية الأصلية. إن منح قانونالجنسية العماني الحالي الجنسية المكتسبة للمولود في الحالتين يثير إشكالية قانونية أخرى تتمثل فيما لو ثبت لاحقًا نسبة هذا المولود لأب عماني، فهل تتحول جنسيته العمانية المكتسبة لجنسية عمانية أصلية؟
خامسًا- إن منح الجنسية العمانية المكتسبة، وليست الأصلية في الحالة الأولى والمتمثلة فيمن ولد في عمان أو خارجها من أم عمانية ولم يثبت نسبه شرعا لأب، وكذلك حرمان من ولد لأم عمانية وأب أجنبي من الجنسية العمانية الأصلية ومنحه جنسية عمانية مكتسبة بشروط صعبة جدًا، فيعد الأمر في الحالتين إخلاًلاً بمبدأ المساواة بين المواطن العماني والمواطنة العمانية باعتبار مركزهما القانوني متماثلاً في نقل الجنسية العمانية الأصلية لأبنائهما، وهو ما يعد تمييزًا سلبيًا ضد الأم العمانية منهيًا عنه ومحظور دستوريًا وفق نص المادة 15 من النظام الأساسي للدولة ، والتي نصت على أن “العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع، تكفلها الدولة“، والمادة 21 والتي نصت على أن “المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي“.
سادسًا- يترتب على إعطاء قانون الجنسية العماني الحالي الجنسية المكتسبة للمولود في الحالتين محل المقارنة بمثابة ردة تشريعية وانتقاص من الحقوق، باعتبار أن الحقوق التي تمنحها الجنسية العمانية الأصلية تختلف عن تلك الحقوق التي تترتب على الجنسية العمانيةالمكتسبة، فبعض الحقوق وخاصة السياسية يحرم منها العماني المتجنس.
وختامًا، نوصي المشرع العماني بتعديل النص الحالي، حتى يتوافق مع النظام الأساسي للدولة في عدم التمييز بين المرأة والرجل، وكذلك بما يتوافق مع المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان والتي من أهمها الحق في الجنسية كاتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979، وكذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966.